نصر حامد أبو زيد

68

الاتجاه العقلي في التفسير

الضروري أن يؤدي النظر إلى المعرفة ؟ ألا يجوز أن يؤدي بنا للجهل ؟ وفي هذه الحالة لا يكون ثمّة ضرورة له ما دام سينقلنا إلى جهل آخر . ينكر القاضي أن يؤدي النظر إلى الجهل وإن جوّز أن يؤدّي إلى غالب الظن أو أن يؤدّي - على أسوأ تقدير - إلى الشك مرة أخرى . ولكنه إذا كان نظرا من عاقل في دليل معلوم ، فلا بدّ أن يؤدي إلى العلم « ومن حق النظر أن يكون فيه ما يولّد العلم ، إذا كان نظرا من عاقل في دليل معلوم له على الوجه الذي يدلّ ، ويكون فيه ما لا يولّد العلم ، بل يقتضى غالب الظن في أمور الدنيا ، وقد يكون فيه ما لا يحصل عنده الوجهان جميعا . ولا يصحّ أن يكون فيه ما يولّد الشبهة أو الجهل . . . وكما لا يجوز أن يولّد الجهل ، فكذلك لا يجوز أن يولّد غير الاعتقاد من أفعال القلوب » 97 . ومعنى ذلك أن النظر من شأنه أن يولّد العلم إذا كان نظرا في دليل معلوم على الوجه الذي يدلّ . وعدم الوصول بالنظر إلى مرحلة العلم يعني وجود نوع من الخطأ في استخدام الدليل ، أو في معرفة وجه الاستدلال به . وتتحدد أنواع الأدلّة عند القاضي عبد الجبار بناء على تحديده لغاية المعرفة . وغاية المعرفة هي الوصول إلى معرفة المكلّف بكل صفاته من التوحيد والعدل ، ثم الوصول بعد ذلك إلى معرفة أوامره ونواهيه حتى يمكن أداء التكاليف الشرعية التي تؤدي إلى الثواب وتعصم من العقاب ، ومن الطبيعي أن تنقسم الأدلّة تبعا لهذا الترتيب المعرفي . فثمّ أدلّة تعرف بها قضايا التوحيد . وثمّ أدلّة تعرف بها قضايا العدل . ونوع ثالث تعرف به النبوات والشرائع . وهكذا تنقسم الأدلّة إلى أنواع ثلاثة يختصّ كل منها بمرحلة من مراحل المعرفة « فمنها ما يدلّ على الصحة والوجوب ، ومنها ما يدلّ في الدواعي والاختيار ، ومنها ما يدلّ بالمواضعة والقصد . ورتبنا كل واحد من هذه الوجوه ، بأن بيّنا : أن المقدّم على ما يدلّ من حيث الصحة ، وهو الذي يتطرّق به إلى معرفة التوحيد ، ثم يتلوه ما يدلّ بالدواعي ، وهو الذي يعرف به العدل ، ثم يتلوه ما يدلّ بالمواضعة وتعرف - به - النبوات والشرائع 98 . يختصّ النوع الأول من الأدلّة بأنه يعرف به التوحيد . وتفصيل ذلك أن هذا النوع الأول يدلّ على الصحة والوجوب ، بمعنى أن وجود الفعل أو وقوعه يدلّ - وجوبا - على وجود الفاعل . وإن وقع الفعل محكما دلّ على أن فاعله عالم ولا دخل لحال الفاعل أو الفعل في هذه الدلالة . أي أنها دلالة مجردة منفصلة عن أحوال الفعل وأحوال الفاعل معا . وتستند هذه الدلالة - في حركة العقل الفكرية للنظر والاستدلال - إلى العلوم الضرورية القائمة في الذهن والتي اعتبرها القاضي من كمال العقل . وأول هذه الحركة الاستدلالية البدء بالضروريات ، وأهمها أن